1ـقضاؤه في ولد له بدنان و
رأسان.
في إرشاد المفيد:و كان من
قضاياه (عليه السلام) بعد بيعة العامة
له و مضي عثمانـعلى ما رواه أهل النقل و
حملة الآثارـأن امرأة ولدت على فراش
زوجها ولدا له بدنان و رأسان على حقو
واحد،فالتبس الأمر على أهله،أهو واحد
أو اثنان؟فصاروا إلى أمير المؤمنين (عليه
السلام) يسألونه عن ذلك ليعرفوا الحكم
فيه،فقال أمير المؤمنين (عليه السلام)
«اعتبروه إذا نام ثم أنبهوا أحد
البدنين و الرأسين،فإن انتبها جميعا
في حالة واحدة فهما انسان واحد،و إن
استيقظ أحدهما و الآخر نائم فهما
اثنان،و حقهما من الميراث حق اثنين»{h(1)h}
.
2ـقضاؤه في الجرح و القتل حال
السكر.
في الإرشاد:روى علماء السير:أن
أربعة نفر شربوا المسكر على عهد أمير
المؤمنين (عليه السلام)
فسكروا،فتباعجوا{h(2)h}بالسكاكين،و نال
الجراح كل واحد منهم،و رفع خبرهم إلى
امير المؤمنين (عليه السلام) ،فأمر
بحبسهم حتى يفيقوا،فمات في السجن منهم
اثنان و بقي اثنان.
فجاء قوم الأثنين إلى أمير
المؤمنين (عليه السلام) فقالوا:أقدناـيا
أمير المؤمنينـمن هذين
النفسين،فإنهما قتلا صاحبينا،فقال
لهم:«و ما علمكم بذلك،و لعل كل واحد
منهما قتل صاحبه؟»فقالوا:لا
ندري،فاحكم فيهم بما علمك الله.
فقال:«دية المقتولين على
قبائل الأربعة بعد مقاصة الحيين منهما
بدية جراحهما»{h(3)h} .
ثم قال المفيد:و كان ذلك هو
الحكم الذي لا طريق إلى الحق في القضاء
سواه،ألا ترى أنه لا بينة على القاتل
تفرده من المقتول،و لا بينة على العمد
في القتل؟فلذلك كان القضاء فيه على حكم
الخطأ في القتل و اللبس في القاتل دون
المقتول{h(4)h}.
و رواه الشيخ الطوسي في (التهذيب)
و الصدوق في (الفقيه) عن السكوني عن أبي
عبد الله (عليه السلام) مع اختلاف يسير
في لفظه نذكره بعينه،قال (عليه السلام)
:«كان قوم يشربون فيسكرون فيتباعجون
بسكاكين كانت معهم،فرفعوا إلى أمير
المؤمنين (عليه السلام) فسجنهم،فمات
منهم رجلان،و بقي رجلان،فقال أهل
المقتولين:يا أمير المؤمنين،أقدهما
بصاحبينا؟
فقال علي (عليه السلام) للقوم:ما
ترون؟
فقالوا:نرى أن تقيدهما.
فقال علي (عليه السلام) :لعل
ذينك اللذين ماتا قتل كل واحد منهما
صاحبه؟.
قالوا:لا ندري.
فقال علي (عليه السلام) :بل أنا
أجعل دية المقتولين على قبائل
الأربعة،و آخذ دية جراحة الباقين من
دية المقتولين»{h(5)h}.
و زاد في التهذيب:و ذكر
اسماعيل بن الحجاج بن أرطاة،عن سماك بن
حرب،عن عبد الله بن أبي الجعد،قال:كنت
رابعهم فقضى علي (عليه السلام) هذه
القضية فينا{h(6)h}.
و في كشف الرموز:أن هذا الخبر
أقرب إلى الصواب لأن القاتل غير معين،و
اشتراكهم في القتل أيضا مجهول،لجواز
أن يكون حصل القتل منأحدهم فرجع إلى
الدية،لأن لا يبطل دم امرىء مسلم،و
جعل على قبائل الأربعة لأن لكل منهم
تأثيرا في القتل{h(7)h}.
3ـقصة الأرغفة قضاء رياضي.
قضاؤه (عليه السلام) في عهده
في واقعة رجلين يتغديان:لأحدهما خمسة
أرغفة،و للآخر ثلاثة .
روى الحافظ ابن عبد البر في (الاستيعاب)
و كذا العلامة السيوطي في (تأريخ
الخلفاء) و كذا المولى علي المتقي
الهندي في (كنز العمال) و محب الدين
الطبري في (ذخائر العقبى) و العلامة
الصفوري الشافعي في (نزهة المجالس) و
ابن حجر العسقلاني في (الصواعق المحرقة)
و المحدث البدخشي في (مفتاح النجا) و
القندوزي في (ينابيع المودة) كلهم
بسندهم عن زر بن حبيش.
و كذا علماء الخاصة في كتبهم
رووا بسندهم قالوا:
جلس رجلان يتغديان،مع أحدهما
خمسة أرغفة خبز،و مع الآخر ثلاثة
أرغفة،فلما وضعا الغداء بين أيديهما
مر بهما رجل فسلم،فقالا:اجلس
للغداء،فجلس و أكل معهما و استووا في
أكلهم الأرغفة الثمانية،فقام الرجل و
طرح إليهما ثمانية دراهم،و قال:خذا هذا
عوضا مما أكلت،لكما،و نلت من طعامكما.فتنازعا
فقال صاحب الأرغفة الخمسة:لي خمسة
دراهم،و لك ثلاثة.
فقال صاحب الأرغفة الثلاثة:لا
أرضى إلا أن تكون الدراهم بيننا
نصفين،فارتفعا إلى أمير المؤمنين علي
بن أبي طالب (عليه السلام) فقصا عليهقصتهما،فقال
لصاحب الثلاثة الأرغفة :«قد عرض عليك
صاحبك ما عرض،و خبزه أكثر من خبزك فارض
بالثلاثة».
فقال:لا و الله لا رضيت منه
إلا بمر الحق.
فقال علي (عليه السلام) :«ليس
لك في مر الحق إلا درهم واحد و له سبعة».
فقال الرجل:سبحان اللهـيا
أمير المؤمنينـهو يعرض علي ثلاثة فلم
أرض،و أشرت علي بأخذها فلم أرض،و تقول
لي الآن:«إنه لا يجب لك في مر الحق إلا
درهم واحد؟!»فقال له علي (عليه السلام) :«عرض
عليك الثلاثة صلحا،فقلت:لم أرض إلا بمر
الحق،و لا يجب لك بمر الحق إلا واحد».
فقال الرجل:فعرفني بالوجه في
مر الحق حتى أقبله.
فقال علي (عليه السلام) :«أليس
للثمانية الأرغفة أربعة و عشرين
ثلثا،أكلتموها و أنتم ثلاثة أنفس،و لا
يعلم الأكثر أكلا منكم و لا
الأقل،فتحملون في أكلكم على السواء؟»قال
:بلى.
قال:«فأكلت أنت ثمانية
أثلاث،و إنما لك تسعة أثلاث،و أكل
صاحبك ثمانية أثلاث و له خمسة عشر
ثلثا،أكل منها ثمانية،و يبقى له
سبعة،و أكل لك واحدا من تسعة،فلك واحد
بواحدك،و له سبعة بسبعته».
فقال الرجل:رضيت الآن{h(8)h}.
فهذه المسألة لو أجاب عنها
أمهر رجل في الحساب بعد طول الفكرة و
الروية و أصاب فيها لكان له الفخر.
4ـقضاؤه في مسألة رياضية اخرى.
في كتاب (مشكلات العلوم)
للنراقي:أن سبعة عشر جملا كانت مشتركة
بين ثلاثة أشخاص،فجاؤوا عليا (عليه
السلام) و قالوا:إن نصف هذه الجمال
لأحدنا،و ثلثها لآخر،و تسعها
لثالثنا،و نريد أن تقسمها بيننا على أن
لا يبقى باق؟فدعا علي (عليه السلام)
بجمل له و أضافه إلى الجمال فكانت 18
جملا،فأعطى نصف الجمال إلى من له
النصفـأي أعطاه 9 جمالـو أعطى ثلث
الثمانية عشر إلى من كان له الثلثـأي
اعطاه 6 جمالـو أعطى تسع الثمانية عشر
إلى من كان له التسعـأي أعطاه جملينـ
(9+6+17 2) ثم أرجع الجمل الذي أضافه إلى
بيته{h(9)h}.
أقول:قد يستغرب الشخص لأول
وهلة عندما يلاحظ هذا الحل،و ذلك لأن
من كان له النصف يستحق 2/1ـ8 من الجمال،و
من كان له الثلث يستحق 3/2ـ5 من الجمال،و
من كان له التسع يستحق 9/8ـ1 من الجمال،و
المجموع 16 جملا و جزء من ثمانية عشر جزء
من جمل: (2/1ـ8+3/2ـ5+9/8ـ18 1/1ـ16) فبقي إذن 18/17
من جمل واحد لم يوزع بين الشركاء،و لا
يخفى و هو 18/17 من جمل واحدـيجب أن يوزع
بين الشركاء أيضا.
ثم أوضح الاستاذ أحمد أمين
هذا البحث في 11 صفحة من كتابه في مسلسلة
مسائل رياضية،و هي خارجة عن إطار
الكتاب،و لذا أعرضنا عن توضيحه،و من
أراده فليراجع (التكامل في الإسلام
لأحمد أمين ج 4 ص 159ـ .171
5ـقضاؤه بما قضاه داود النبي (ع)
في جماعة اتهموا بقتل رفيقهم.
روى شيخ الطائفة أبو جعفر
الطوسي عن علي بن إبراهيم،عن أبيه،عن
ابن أبي عمير،عن علي بن أبي حمزة،عن
أبي بصير،عن أبي جعفر (عليه السلام) أنه
قال:«دخل علي (عليه السلام) المسجد
فاستقبله شاب و هو يبكي و حوله قوم
يسكتونه،فقال علي (عليه السلام) :ما
يبكيك؟
فقال يا أمير المؤمنين،إن
شريحا قضى علي بقضية ما أدري ما هي،إن
هؤلاء النفر خرجوا بأبي معهم في
سفر،فرجعوا و لم يرجع أبي فسألتهم
عنه،فقالوا:مات،فسألتهم عن
ماله،فقالوا:ما ترك مالا،فقدمتهم إلى
شريح فاستحلفهم،و قد علمتـيا أمير
المؤمنينـأن أبي خرج و معه مال كثير.
فقال لهم أمير المؤمنين:«ارجعوا»فردهم
جميعا و الفتى معهم إلى شريح،فقال له:«يا
شريح،كيف قضيت بين هؤلاء؟»فقال:يا
أمير المؤمنين،ادعى هذا الفتى على
هؤلاء النفر أنهم خرجوا في سفر و أبوه
معهم،فرجعوا و لم يرجع أبوه،فسألهم
عنه فقالوا مات.فسألهم عن ماله،فقالوا
:ما خلف مالا.فقلت للفتى:هل لك بينة على
ما تدعي؟فقال:لا.فاستحلفتهم.
فقال علي (عليه السلام) :«يا
شريح،هكذا تحكم في مثل هذا؟!»فقال:كيف
كان هذا،يا أمير المؤمنين؟
فقال أمير المؤمنين (عليه
السلام) :«لأحكمن فيهم بحكم ما حكم به
إلا داود النبي (عليه السلام) ،يا
قنبر،ادع شرطة الخميس»فدعاهم فوكل بكل
واحد منهمرجلا من الشرطة،ثم نظر أمير
المؤمنين (عليه السلام) إلى
وجوههم،فقال:«ماذا تقولون؟أتقولون:إني
لا أعلم ما صنعتم بأب هذا الفتى،إني
إذن لجاهلـثم قال:ـفرقوهم و غطوا
رؤوسهم».
قال:ففرق بينهم،و اقيم كل
واحد منهم إلى اسطوانة من أساطين
المسجد،و رؤوسهم مغطاة بثيابهم،ثم دعا
عبيد الله بن أبي رافع كاتبه،فقال:«هات
صحيفة و دواة»و جلس علي (عليه السلام)
في مجلس القضاء،و اجتمع الناس،فقال:«إذا
كبرت فكبروا»ثم قال للناس:افرجوا.
ثم دعا بواحد منهم فأجلسه بين
يديه و كشف عن وجهه،ثم قال لعبيد الله:«اكتب
اقراره و ما يقول»ثم أقبل عليه
بالسؤال،فقال:«في أي يوم خرجتم من
منازلكم و أبو هذا الفتى معكم؟»فقال
الرجل في يوم كذا و كذا،فقال:«في أي
شهر؟»،فقال:في شهر كذا و كذا،فقال:«في
أي سنة؟»،قال :في سنة كذا و كذا.
قال:«و أين بلغتم من سفركم حين
مات أبو هذا الفتى؟»،فقال:إلى موضع كذا
و كذا.
قال:«في منزل من مات؟»،قال:في
منزل فلان بن فلان.
فقال:«ما كان مرضه؟»،قال:كذا
و كذا.
قال:«كم يوما مرض؟»،فقال:يكون
في كذا و كذا يوما.
قال:«فمن كان يمرضه؟و في أي
يوم مات؟و من غسله؟و أين غسله؟و من
كفنه؟و بما كفنتموه؟و من صلى عليه؟و من
نزل في قبره؟».
فلما سأله عن جميع ما يريد كبر
علي (عليه السلام) و كبر الناس،فارتاب
اولئك الباقون،و لم يشكوا أن صاحبهم قد
أقر عليهم و على نفسه،فأمر أن يغطى
رأسه،و أن ينطلق به إلى الحبس .
ثم دعا بالآخر فأجلسه بين
يديه،و كشف عن وجهه،ثم قال:«كلا،زعمت
أني لا أعلم ما صنعتم» .
فقال:يا أمير المؤمنين،ما أنا
إلا واحد من القوم،و لقد كنت كارها
لقتله.
فأقر،ثم دعا بواحد بعد واحد
فكلهم يقر بالقتل،و أخذ المال،ثم رد
الذي كان أمر به إلى الحبس فأقر أيضا
فألزمهم المال و الدم.
فقال شريح:فكيف كان حكم داود (عليه
السلام) ؟.
فقال:«إن داود (عليه السلام)
مر بغلمة يلعبون و ينادون بعضهم:مات
الدين.فدعا منهم غلاما فقال:يا غلام،ما
اسمك؟،فقال:اسمي مات الدين.
فقال له داود (عليه السلام) :«من
سماك بهذا الأسم؟»،فقال:أمي،فانطلق
إلى أمه،فقال لها :يا امرأة،ما اسم
ابنك هذا؟فقالت:مات الدين.
فقال لها:و من سماه بهذا
الاسم؟قالت:أبوه.
قال:و كيف كان ذلك؟قالت:إن
أباه خرج في سفر له و معه قومه،و هذا
الصبي حمل في بطني،فانصرف القوم و لم
ينصرف زوجي،فسألتهم عنه،فقالوا:مات
قلت:فأين ما ترك؟قالوا:لم يخلف مالا.
فقلت:أوصاكم بوصية؟فقالوا:نعم،زعم
أنك حبلى،فما ولدت من ولد ذكر أو أنثى
فسميه مات الدين،فسميته .
فقال:«و تعريفن القوم الذين
كانوا خرجوا مع زوجك؟»قالت:نعم«فأحياء
هم أم أموات؟».
فقالت:بل أحياء،قال:«فانطلقي
بنا إليهم».
ثم مضى معها فاستخرجهم من
منازلهم،فحكم بينهم بهذا الحكم،فثبت
عليهم المال و الدم،ثم قال للمرأة:«سمي
ابنك عاش الدين».
ثم إن الفتى و القوم اختلفوا
في مال أبي الفتى كم كان،فأخذ علي (عليه
السلام) خاتمه و جمع خواتيم عدة،ثم قال:«أجيلوا
هذه السهام،فأيكم أخرجخاتمي فهو
الصادق في دعواه لأنه سهم الله عز و جل
و هو لا يخيب»{h(10)h}.
و في الكافي روى الواقعة عن
الأصبغ بن نباته أيضا اختصارا{h(11)h}.
صورة اخرى.
روى العلامة محمد بن طلحة
الشافعي في مطالب السؤول،قال:إن سبعة
أنفس خرجوا من الكوفة مسافرين،فغابوا
مدة،ثم عادوا و قد فقد منهم واحد،فجاءت
امرأة إلى علي (عليه السلام) ،فقالت:يا
أمير المؤمنين،إن زوجي سافر هو و جماعة
و عادوا دونه،فأتيتهم،و سألتهم عنه
فلم يخبروني بحاله،و قد اتهمتهم
بقتله،و أسألك إحضارهم و استكشاف
حالهم،فأحضرهم (عليه السلام) و فرقهم،و
أقام كل واحد منهم إلى سارية من سواري
المسجد،و وكل به رجلا يمنع أن يقرب منه
أحد ليحادثه.
ثم استدعى واحدا فحدثه و سأله
عن حال الرجل فأنكر،فلما أنكر رفع علي (عليه
السلام) صوته بالتكبير،و قال:«الله
أكبر»،فلما سمع الباقون صوت علي (عليه
السلام) مرتفعا بالتكبير اعتقدوا أن
رفيقهم قد أقر،و حكى لعلي (عليه السلام)
صورة الحال.
ثم استدعاهم واحدا واحدا
فأقروا بقتله بناء على أن صاحبهم قد
أخبر عليا (عليه السلام) بما
فعلوه،فلما أقروا بذلك،قال الأول:يا
أمير المؤمنين هؤلاء قد أقروا و ما أنا
أقررت .قال له (عليه السلام) :«هؤلاء
رفاقك قد شهدوا عليك،فما ينفعك إنكارك
بعد شهادتهم»فاعترف أنه شاركهم في
قتله،فلما تكمل اعترافهم أقام عليهم
حكم الله تعال يو قتلهم به،فكان ذلك من
عجائب فهمه و غرائب علمه{h(12)h}.
6ـقضاؤه بما أنزل الله تعالى
في رجل زان.
روى الكليني (رحمة الله عليه)
عن علي بن إبراهيم،عن أحمد بن محمد بن
خالد،رفعه إلى أمير المؤمنين (عليه
السلام) قال:أتاه رجل بالكوفة،فقال:يا
أمير المؤمنين،إني زنيت فطهرني .
قال (عليه السلام) :«ممن أنت؟»،قال:من
مزينة.
قال (عليه السلام) :«أتقرأ من
القرآن شيئا؟»،قال:بلى.
قال (عليه السلام) :«فاقرأ؟»،فقرأ
فأجاد،فقال (عليه السلام) :«أبك جنة؟»قال:لا.
قال (عليه السلام) :«فاذهب حتى
نسأل عنك»فذهب الرجل،ثم رجع إليه
بعد،فقال:يا أمير المؤمنين،إني زنيت
فطهرني.
فقال (عليه السلام) :«ألك
زوجة؟»قال:بلى.
قال:«فمقيمة معك في البلد؟»قال:نعم:
قال:فأمره أمير المؤمنين
فذهب،و قال:«حتى نسأل عنك»فبعث إلى
قومه فسأل عن خبره،فقالوا :يا أمير
المؤمنين،صحيح العقل،فرجع إليه
الثالثة،فقال له مثل مقالته،فقال له:«اذهب
حتى نسأل عنك»فرجع إليه الرابعة فلما
أقر،قال أمير المؤمنين (عليه السلام)
لقنبر:«احتفظ به»،ثم غضب،ثم قال:«ما
أقبح بالرجل منكم أن يأتي بعض هذه
الفواحش فيفضح نفسه على رؤوس
الملأ،أفلا تاب في بيته،فو الله
لتوبته فيما بينه و بين الله أفضل من
إقامتي عليه الحد» .
ثم أخرجه و نادى في الناس:«يا
معشر المسلمين،اخرجوا ليقام على هذا
الرجل الحد،و لا يعرفن أحدكم صاحبه»فأخرجه
إلى الجبان{h(13)h}فقال:يا أمير
المؤمنين،انظرني اصلي ركعتين،ثم وضعه
في حفرته و استقبل الناس بوجهه،فقال:«يا
معاشر المسلمين،إن هذا حق من حقوق الله
عز و جل،فمن كان لله في عنقه حق
فلينصرف،و لا يقيم حدود الله من في
عنقه لله حد»فانصرف الناس و بقي هو و
الحسن و الحسين (عليهم السلام) ،فأخذ
حجرا فكبر ثلاث تكبيرات ثم رماه بثلاثة
أحجار في كل حجر ثلاث تكبيرات،ثم رماه
الحسن (عليه السلام) مثل ما رماه أمير
المؤمنين (عليه السلام) ،ثم رماه
الحسين (عليه السلام) فمات الرجل
فأخرجه أمير المؤمنين (عليه السلام)
فأمر فحفر له و صلى عليه و دفنه.
فقيل:يا أمير المؤمنين،ألا
تغسله؟.
فقال (عليه السلام) :«قد اغتسل
بما{h(14)h}هو طاهر إلى يوم القيامة،لقد
صبر على أمر عظيم»{h(15)h}.
و روى الصدوق في الفقيه عن
الأصبغ بن نباته نظير هذه القضية{h(16)h}.
7ـقضاؤه بما أنزل الله في
امرأة زانية.
في (الكافي) عن علي بن
إبراهيم،و في (التهذيب) عن الحسن بن
محبوب،بإسنادهما عن أبي بصير،عن عمران
بن ميثمـأو صالح بن ميثمـعن أبيه،قال:أتت
امرأة مجح{h(17)h}أمير المؤمنين (عليه
السلام) فقالت:يا أمير المؤمنين،إني
زنيت فطهرني،طهرك الله،فإن عذاب
الدنيا أيسر من عذاب الآخرة الذي لا
ينقطع.
فقال لها:«مما أطهرك؟»،فقالت:إني
زنيت.
فقال لها:«أو ذات بعل أنت،أم
غير ذلك؟»،فقالت:بل ذات بعل.
فقال لها:«أفحاضرا كان بعلك
إذ فعلت ما فعلت،أم غائبا كان عنك؟».
فقالت:بل حاضرا.
فقال لها:«انطلقي فضعي ما في
بطنك،ثم ائتني اطهرك»فلما ولت عنه
المرأة فصارت حيث لا تسمع كلامه،قال:«أللهم
إنها شهادة»فلم يلبث أن أتته،فقال:قد
وضعت فطهرني.
قال:فتجاهل عليها،فقال:«اطهرك
يا أمة الله مما ذا؟»،فقالت:إني زنيت
فطهرني.
فقال:«و ذات بعل إذ فعلت ما
فعلت؟»،قالت:نعم.
قال:«و كان زوجك حاضرا أم
غائبا؟»،قالت:بل حاضرا.
قال (عليه السلام) :«فانطلقي و
ارضعيه حولين كاملين كما أمرك الله»{h(18)h}.قال:فانصرفت
المرأة،فلما صارت من حيث لا تسمع
كلامه،قال[علي (عليه السلام) ]:«أللهم
إنهما شهادتان»،قال :فلما مضى حولان
أتت المرأة.فقالت:قد أرضعته
حولين،فطهرني يا أمير
المؤمنين،فتجاهل عليها و قال:«اطهرك
مماذا؟».فقالت:إني زنيت فطهرني.
قال (عليه السلام) :«و ذات بعل
إذ فعلت ما فعلت؟»،فقالت:نعم.
قال (عليه السلام) :«و بعلك
غائب عنك إذ فعلت ما فعلت أو حاضر؟»،قالت:بل
حاضر.
قال (عليه السلام) :«فانطلقي
فاكفليه حتى يعقل أن يأكل و يشرب و لا
يتردى من سطح و لا يتهور في بئر».
قال:فانصرفت و هي تبكي،فلما
ولت فصارت حيث لا تسمع كلامه قال (عليه
السلام) :«أللهم إنها ثلاث شهادات»{h(19)h}.
قال:فاستقبلها عمرو بن حريث
المخومي،فقال لها:ما يبكيكـيا أمة
اللهـو قد رأيتك تختلفين إلى علي
تسألينه أن يطهرك.
فقالت:إني أتيت أمير المؤمنين
(عليه السلام) فسألته أن يطهرني،فقال:«إكفلي
ولدك حتى يعقل أن يأكل و يشرب و لا
يتردى من سطح و لا يتهور في بئر»،و قد
خفت أن يأتي علي الموت و لم يطهرني.
فقال لها عمرو بن حريث:ارجعي
إليه،فأنا أكفله،فرجعت فأخبرت أمير
المؤمنين (عليه السلام) بقول عمرو بن
حريث،فقال لها أمير المؤمنين و هو
متجاهل عليها:«و لم يكفل عمرو ولدك؟»،فقالت
:يا أمير المؤمنين،إني زنيت فطهرني.
فقال:«و ذات بعل أنت إذ فعلت
ما فعلت؟»،قالت:نعم.قال (عليه السلام) :«أفغائبا
كان بعلك إذ فعلت ما فعلت أم حاضرا؟»فقالت:بل
حاضرا،قال:فرفع رأسه إلى السماء و قال:«أللهم
إنه قد ثبت لك عليها أربع شهادات،و إنك
قد قلت لنبيك (صلى الله عليه و آله و سلم)
فيما أخبرته به من دينك:يا محمد،من عطل
حدا من حدودي فقد عاندني،و طلب بذلك
مضادتي،اللهم فإني غير معطل حدودك،و
لا طالب مضادتك،و لا مضيع لأحكامك،بل
مطيع لك و متبع سنة نبيك».
قال:فنظر إليه عمرو بن حريث و
كأنما الرمان يفقأ في وجهه،فلما رأى
ذلك عمرو،قال:يا أمير المؤمنين،إنني
إنما أردت أكفله،إذ ظننت أنك تحب
ذلك،فأما إذا كرهته فإني لست أفعل؟
فقال أمير المؤمنين (عليه
السلام) :«أبعد أربع شهادات
بالله؟لتكفلنه و أنت صاغر»فصعد أمير
المؤمنين (عليه السلام) المنبر،فقال:«يا
قنبر ناد في الناس الصلاة جامعة».
فنادى قنبر في الناس فاجتمعوا
حتى غص المسجد بأهله،و قام أمير
المؤمنين (عليه السلام) فحمد الله و
أثنى عليه ثم قال:«أيها الناس،إن
إمامكم خارج بهذه المرأة إلى الظهر
ليقيم عليها الحدـإن شاء اللهـفعزم
عليكم أمير المؤمنين لما خرجتم و أنتم
متنكرون و معكم أحجاركم لا يتعرف أحد
منكم إلى أحد حتى تنصرفوا إلى منازلكم
إن شاء الله».
قال:ثم نزل،فلما أصبح الناس
بكرة خرج بالمرأة و خرج الناس متنكرين
متلثمين{h(20)h}بعمائمهم و بأرديتهم و
الحجارة في أرديتهم و في أكمامهم،حتى
انتهى بها و الناس معه إلى الظهر
بالكوفة،فأمر أن يحفر لها حفيرة،ثم
دفنها فيها،ثم ركب بغلته و أثبت رجليه
في غرز الركاب{h (21)h}،ثم وضع إصبعيه
السبابتينفي أذنيه،ثم نادى بأعلى
صوته:«يا أيها الناس،إن الله تبارك و
تعالى عهد إلى نبيه (صلى الله عليه و
آله و سلم) عهدا،عهده محمد (صلى الله
عليه و آله و سلم) إلي بأنه لا يقيم الحد
من لله عليه حد،فمن كان عليه حد مثل ما
عليها فلا يقيم عليها الحد؟».
قال:فانصرف الناس يومئذ كلهم
ما خلا أمير المؤمنين (عليه السلام) و
الحسن و الحسين (عليهما السلام) فأقام
هؤلاء الثلاثة عليها الحد يومئذ و ما
معهم غيرهم.
قال:و انصرف فيمن انصرف يومئذ
محمد بن أمير المؤمنين (عليه السلام)
{h(22)h}.
تعليقات:
(1) الإرشاد للمفيد ص 201 الفصل 62
من الباب .2
(2) بعج بطنه بالسكين يبعجه
بعجا اذا شقه.
(3) المصدر السابق ص 209 الفصل 62
من الباب .2
(4) المصدر السابق ص 209 الفصل 62
من الباب .2
(5) أقول:إن الخبر مخالف لاصول
المذهب و القاعدة ضرورة عدم اقتضاء
الحال المزبور كون المجروحين من
القاتلين،و لا كون المقتولين من
الجارحين،إذ ربما قتل أحد المقتولين
الآخر،أو قتلهما أحد المجروحين،و كذا
في المجروحين،على أنه إذا حكم بأن
المجروحين القاتلان فالمتجه ثبوت
القود عليهما لا الدية بناء على أن
السكران بحكم الصاحي،و هكذا في
المجروحين أيضا،و على فرض ثبوت الخطأ
فالدية على أنفسهم لا على قبائلهم،و
على أن جراحتهما ربما وقعت دفاعا فهي
هدر،و الذي تقتضيه الاصول في مثله
جريان حكم اللوث فيها أو سقوط الدية و
القصاص عن كل منهم لعدم العلم بالحال،و
أما الواقعة التي قضى فيها علي (ع) و من
المحتمل أن يكون علي (ع) قد أطلع في هذه
الواقعة على ما يوجب هذا الحكم فلا
يتعدى منها إلى غيرها،فراجع جواهر
الكلام ج 43 ص 92 و شرح اللمعة الدمشقية ج
2 ص 398 من المجلدين.
(6) التهذيب ج 10 ص 240 و الفقيه ج 4
ص .118
(7) جواهر الكلام ج 43 ص .91
(8) الإستيعاب بهامش الإصابة ج
3 ص 41 و في ذخائر العقبى للطبري ص 84 و
نزهة المجالس للصفوري ج 2 ص 211 و تاريخ
الخلفاء للسيوطي ص 142 و كنز العمال
للعلامة الهندي ج 5 ص 837 ح 14512 و غيرهم.
(9) التكامل في الاسلام لاحمد
أمين ج 4 ص .159
(10) التهذيب ج 6 ص 316 و الفقيه ج 3
ص 24،و راجع الكافي ج 7 ص .371
(11) الكافي ج 7 ص .373
(12) مطالب السؤل ص 29 طبع طهران
نقلا عن الاحقاق ج 8 ص .78
(13) أي الصحراء.
(14) و المشهور بين الأصحاب
وجوب تغسيل المرجوم ان لم يغتسل قبل،و
لعله (ع) امره بالغسل قبل الرجم، (مرآة
العقول ج 23 ص 286) .
(15) فروع الكافي ج 7 ص .188
(16) الفقيه ج 4 ص 31 و في الوسائل
ج 18 ص 328 عن الفقيه.
(17) المجح:الحامل المقرب التي
دنت ولادتها.
(18) و الوالدات يرضعن اولادهن
حولين كاملين سورة البقرة: .233
(19) لا يخفى أن هذه التأخيرات
قبل ثبوت الزنا بالاقرار الاربعة و أما
بعد ثبوته لا يؤخر الحد.
(20) اللثام ما كان على الفم من
النقاب.
(21) و الغرز،الركاب من الجلد.
(22) فروع الكافي ج 7 ص 185 و
التهذيب ج 10 ص .9
الفصول المائة ج 5 ص 351
تأليف: السيد اصغر ناظمزاده
قمى
|